ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
161
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
ذلك القدر ليس من الدنيا وكل من كانت معرفته أقوى وأيقن كان حذره من نعيم الدنيا أشد حتى أن عيسى عليه السّلام وضع رأسه على حجر لما نام ثم رماها إذ تمثل له إبليس وقال رغبت ( 1 ) في الدنيا وحتى أن سليمان عليه السّلام في ملكه كان يطعم الناس لذائذ الأطعمة وهو يأكل خبز الشعير فجعل الملك على نفسه بهذه الطريق امتحانا وشدة ولهذا زوى الله تعالى عن نبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم الدنيا فكان يطوي أياما وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع ولهذا سلط الله تعالى البلاء والمحن على الأنبياء والأوصياء ثم الأمثل فالأمثل كل ذلك نظرا لهم وامتنانا ( 2 ) عليهم ليوفر في الآخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذة الفواكه والأطعمة ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة منه عليه وحبا له لا بخلا عليه فما يؤخذ من الدنيا من هذه الأسباب بقدر الحاجة والقصد به الاستعانة على التقوى والطاعة فهو لله معناه وإن كانت صورته صوره الدنيا وجميع ما يؤخذ من الدنيا ويقصد به اللذة والمفاخرة والمكاثرة فليس لله إلا الدنيا ( 3 ) وما أخذ على وجه التقوى والطاعة فهو لله . وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من طلب الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله وهو عليه غضبان ومن طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر فانظر إلى قول الله تعالى وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ومجامع الهوى خمسة أمور وهي ما جمعه الله تعالى في قوله : « أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ وَالأَوْلادِ ( 4 ) » فهذه بينها الله تعالى إنها للدنيا والذي هو لله تعالى فهو قدر الضرورة وما لا بد منه من مسكن وملبس ومطعم ومشرب والحزم في الحذر والتقوى وأخذ هذه الأسباب بقدر الحاجة اقتداء بالأنبياء والأولياء إذ كانوا يردون أنفسهم إلى حد الضرورة كما أن سلمان الفارسي ( رض ) لم يحضر بين يديه طعام عليه إدامان قط وأنه ورد أن أبا ذر رحمه الله استضافه فقدم له خبز شعير وملحا قال زدنا خلا وبقلا فرهن سلمان ركوته على ذلك فلما فرغا من الأكل قال أبو ذر
--> ( 1 ) في بعض النسخ [ رغب ] . ( 2 ) في بعض النسخ [ امتناعا ] . ( 3 ) في بعض النسخ [ فليس له إلا الدنيا ] وفي بعضها [ فليس لله إلا للدنيا ] . ( 4 ) سررة الحديد آية 20 .